شكيب أرسلان
192
الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية
وضوح الدليل . ولم تزل آفة الناس منذ خلقوا في صنفين ، هم كالملح فيهم : الامراء والفقهاء ، بصلاحهم يصلحون ، وبفسادهم يفسدون . فقد خص اللّه تعالى هذا القرن الذي نحن فيه من اعوجاج صنفيهم لدينا بما لا كفاية له ، ولا مخلص منه فالأمراء القاسطون قد نكّبوا عن نهج الطريق ، زيالا عن الجماعة ، وجريا إلى الفرقة . والفقهاء أئمتهم صموت عنهم ، صدوف عما أكّده اللّه تعالى عليهم ، من التبيين لهم ، قد أصبحوا ما بين آكل من حلوائهم ، وخابط في أهوائهم ، وبين مستشعر مخافتهم ، آخذ في التقية من صدقهم . وأولئك هم الأقلون فيهم . فما القول في أرض فسد ملحها ، الذي هو مصلح لجميع أغذيتها ، وما هي الا مشفية على بوارها . ولقد طما العجب من أفعال هؤلاء الامراء ! لم يكن عندهم لهذه الحادثة إلا الفزع لحفر الخنادق وتعلية الأسوار ، وشد الأركان ، وتوثيق البنيان ، كاشفين لعدوهم عن السؤة السؤى من إلقائهم يومئذ بأيديهم اليه أمورا قبيحات الصور ، مؤذنات الصدور باعجاز الغير أمور لو تدبّرها حكيم * إذا لنهى وحبّب ما استطاعا انتهى باختصار ثم قال ابن حيان : فلما كان عقب جمادى الأولى سنة 57 شاع الحبر بقرطبة برجوع المسلمين إليها - أي إلى بربشتر - وذلك أن أحمد المقتدر بن هود المفرّط فيها والمتهم على أهلها ، لانحرافهم إلى أخيه ، صمد لها مع امداد الخليفة عباد ، وسعى لإصمات سوء المقالة عنه ، وقد كتب اللّه تعالى عليه مالا يمحوه إلا عفوه ، فتأهب لقصد بربشتر في جموع من المسلمين ، فجالدوا الكفار بها جلادا ارتاب منه كل جبان ، وأعز اللّه سبحانه أهل الحفيظة والشجعان ، وحمى الوطيس بينهم إلى أن نصر اللّه تعالى أولياءه وخذل أعداءه ، وولوا الأدبار مقتحمين أبواب المدينة ، فاقتحمها المسلمون عليهم ، وملكوها أجمعين ، إلا من فرّ من مكان الوقعة ، ولم يدخل المدينة ، فأجيل السيف في الكافرين واستؤصلوا أجمعين . إلا من استرق من أصاغرهم ، وفدى من أعاظمهم ، وسبوا جميع من كان فيها من عيالهم وأبنائهم ، وملكوا المدينة بقدرة الخالق البارىء ، وأصيب في منحة النصر المتاح ، طائفة من حماة المسلمين الجادّين في نصر الدين ، نحو الخمسين ، كتب اللّه